الجزائر

الجزائر وفلسطين: إلتزام تاريخي وإرث لا ينقطع

منذ استقلالها عام 1962، تبنّت الجزائر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية وقومية عادلة، وظلّ دعمها للشعب الفلسطيني ثابتاً عبر مختلف المراحل وعلى المستويين السياسي والميداني. ولم يكن هذا الموقف مجرّد شعار، بل تجسّد في مواقف تاريخية تركت بصمة واضحة في مسيرة النضال الفلسطيني.


في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، عُرفت الجزائر بمواقفها الجريئة، حيث جعل القضية الفلسطينية في صميم السياسة الخارجية الجزائرية، ورسّخ صورتها كحاضنة طبيعية لفلسطين. لم تكتف الجزائر آنذاك بإعلان تأييدها، بل سخّرت منابرها الدبلوماسية لخدمة فلسطين، واحتضنت قيادات المقاومة الفلسطينية، مؤكدة أن فلسطين هي البوصلة الحقيقية للعرب والمسلمين. وقد لخّص بومدين هذا التوجه بمقولته الشهيرة: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.
ولم يقتصر الدعم الجزائري على الجانب السياسي، بل امتد إلى الميدان العسكري. فقد شاركت الجزائر بقوة في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب مصر وسوريا ضد الاحتلال الإسرائيلي، من خلال إرسال طائرات مقاتلة ووحدات عسكرية، ما عكس إيمانها الراسخ بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية.


وفي محطة فارقة من التاريخ، احتضنت الجزائر في نوفمبر 1988 إعلان قيام الدولة الفلسطينية على لسان الرئيس الراحل ياسر عرفات، بحضور المجلس الوطني الفلسطيني. لقد اختارت القيادة الفلسطينية الجزائر لتكون مهد هذا الإعلان لما تمثّله من رمزية الثورة والتحرر، ولأنها بقيت وفية لمبادئها في الدفاع عن فلسطين.
لقد وضع بومدين الأساس الصلب للموقف الجزائري من فلسطين حين جعلها “قضية الجزائر الأولى بعد الاستقلال”، ولم ينقطع هذا الإرث برحيله. فقد واصلت الجزائر عبر العقود جهودها في رأب الصدع الفلسطيني، وكانت جسراً للحوار بين الفصائل. وتُوّجت هذه الجهود في أكتوبر 2022 بمصالحة فلسطينية تاريخية جُمعت أطرافها في الجزائر بفضل جهود الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أعاد التأكيد على أن الجزائر ستظل نصيراً لفلسطين.
وعلى الصعيد الأممي، بقيت الجزائر صوتاً صادقاً مدافعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني. ففي مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وقفت الجزائر باستمرار إلى جانب القرارات التي تُدين الاحتلال وتطالب بإنهائه، مؤكدة أن السلام العادل لن يتحقق إلا بتمكين الشعب الفلسطيني من دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
ولم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة للجزائر مجرّد تضامن عابر، بل التزاماً مبدئياً ممتداً في الزمن، تجسّد في مواقف سياسية، ومساهمات عسكرية، واحتضان دبلوماسي، ودعم ثابت في المحافل الدولية. وهو ما أكده الرئيس عبد المجيد تبون بقوله: “فلسطين هي توأم الجزائر، ولن نتخلى عنها مهما كان الحال”، في تعبير صريح عن عمق الارتباط بين الشعبين، وعن مكانة فلسطين في قلب كل جزائري.

بقلم محمد كمال عبد الإله، (أستاذ جامعي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى