الجزائر

توصيف “الدويلة” للإمارات: قراءة سياسية وقانونية في تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون

تُشكل المصطلحات في الأدبيات السياسية والدبلوماسية أدوات تحليليّة دقيقة، تُعبر عن التوصيف الواقعي والقانوني للكيانات. وفي هذا السياق، يأتي استخدام رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لمفهوم “الدويلة” في الإشارة إلى الأدوار الإقليمية لبعض الفاعلين—وتحديداً دويلة الإمارات العربية المتحدة—لتأكيد مستويات متعددة من التحليل السياسي والقانوني الذي يُفكك العلاقة بين الحجم، الدور، والوظيفة في الساحة الدولية.

أولاً: التأصيل المفهومي والقانوني لمصطلح “الدويلة”

في الأدبيات السياسية والقانون الدولي، يُستند مصطلح “الدويلة” ، إلى معايير موضوعية تُحدد بناءً على:

  1. العمق الديمغرافي والجغرافي: اقتصار التكوين السكاني الأصلي على نسب محدودة جداً مقارنة بالاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، مع انعدام العمق الجغرافي الذي يُوفر حماية أو استقلالية ذاتية صلبة.
  2. غياب المقومات الذاتية للقوة الشاملة: الاعتماد الشبه كلي على تحالفات مع شركات أمنية عابرة للحدود، أو مظلات حماية خارجية لتغطية العجز الديموغرافي والعسكري الذاتي.
  3. الدور الوظيفي في النظام الدولي: التحول من “دولة سيادية” تمتلك رؤية استراتيجية شمولية قائمة على الاستقرار الإقليمي، إلى كيان يمارس “أدواراً وظيفية” بالوكالة عبر تمويل النزاعات وتسليح عصابات وميليشيات من المرتزقة، في تهديد واضح لزعزعة أمن واستقرار الدول، ومن ثم الأمن القومي الإقليمي والعالمي .

ثانياً: تصريحات الرئيس وسياقها الجيوسياسي

عند مراجعة التوصيفات الواردة في تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون في مختلف اللقاءات والمقابلات، يتضح أن المواقف كانت تعبيراً عن تشخيص استراتيجي ينطلق من المبادئ الاستقرارية المؤطرة للسياسة الخارجية الجزائرية:

التمايز بين العمق والوظيفة: تشكل الجزائر نموذجاً للدولة الجيوسياسية ذات العمق الجغرافي، التاريخي، والسكاني المستقل، بينما تُمارس بعض الكيانات الإقليمية الصغرى أدوارا كأنشطة تجارية أو أمنية طارئة دون امتلاك مرجعية قادرة على تحمّل التبعات الإستراتيجية طويلة المدى.

المسؤولية الإقليمية مقابل التبعية: التنبيه إلى الخطر الناجم عن قيام “دويلات” بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المحيطة (سواء في أفريقيا أو العالم العربي) عبر المال السياسي ودعم الميليشيات، وهو ما يتنافى مع مبادئ القانون الدولي الإنساني والقيم الأخلاقية الكونية والأعراف الدولية السليمة في التعامل القائمة على قواعد حسن الجوار.

ثالثاً: الأبعاد القانونية والدبلوماسية لتشخيص الدور الإماراتي

تتجسد الأبعاد التحليلية والقانونية لتشخيص السلوك الإماراتي في ملفات الساحل والصحراء والأمن القومي العربي عبر ثلاثة محاور أساسية:

فعلى مستوى القوة العسكرية والتنفيذية، يكشف الواقع العملي عن اعتماد متزايد على المرتزقة والشركات الأمنية العابرة للحدود في إدارة الأزمات الأجنبية؛ وهو ما يُكيّف سياسياً وقانونياً على أنه قصور واضح عن استيفاء معايير القوة الذاتية المتكاملة التي تُعد شرطاً جوهرياً لتعريف “الدولة الوطنية” ذات السيادة الناجزة.

أما على مستوى الدبلوماسية المالية، فإن التأثير المباشر في بؤر التوتر يتأتى من خلال تمويل الفاعلين من غير الدول وتمويل وتسليح ميليشيات وعصابات إجرامية وجماعات متمردة وخارجة عن القانون، وهو مسلك يُشكل تجاوزاً صريحاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وللقواعد الناظمة لسيادة الدول والاستقرار الإقليمي.

وفيما يتعلق بـ الوزن الجيوسياسي، يُظهر الانغماس المفرط في الأدوار الوظيفية كـ “وكيل إقليمي” لتحقيق غايات تكتيكية طارئة بدلاً من إرساء الاستقرار، انطباقاً كلياً لمفهوم “الدويلة الوظيفية”، نظراً للاختلال البنيوي الحاد بين حجم النفوذ الطافح على السطح والقدرات الإستراتيجية الذاتية الكفيلة بحمايته.

الخطاب الإعلامي والسياسي الملتزم بالدقة

إن التوصيف الإعلامي والسياسي القائم على إسقاط مفهوم “الدويلة” في مواقف وتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون يُبرز التأصيل العلمي ووضع الأمور في نصابها التحليلي: أي التذكير بأن الدور الإقليمي للدول يُقاس بمقومات القوة الشاملة والمسؤولية الأخلاقية والقانونية، وليس بحجم الإنفاق المالي على إشعال الأزمات وتغذية التوترات.ختاماً، يتجلى بوضوح أن خيار الجزائر الحاسم بصون أمنها القومي واتخاذ موقف صارم يقطع الطريق أمام كل محاولات الاختراق، لم يكن مجرد إجراء سياسي عابر، بل قراراً سيادياً استراتيجياً اتسم بأعلى درجات الحكمة والمسؤولية لدرء مخاطر جسيمة كان يخبئها الاستمرار في استغلال تلك العلاقات. لقد أثبتت التطورات المتلاحقة صحة وصدق الرؤية الجزائرية الاستشرافية المبكرة تجاه الأدوار التخريبية والمزعزعة للاستقرار التي مارستها الإمارات في عدة أقاليم وبؤر توتر؛ حيث شكّل هذا الموقف المبدئي درعاً حامياً لاستقلال القرار الوطني وأمن الشعوب. وسيُسجل التاريخ بحروف من نور أن حكمة الجزائر وثباتها على جدار الصمود لم يحميا أمنها الداخلي فحسب، بل قدّما نموذجاً استثنائياً في الدفاع عن سيادة الدول واستقرار العالم ضد أجندات الفتنة والهيمنة

بقلم الرئيس المدير العام: علي قطاف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى