الجزائر

علاقات “السم في العسل”: ماذا يكشف كتاب “الجزائر – باريس” عن سقوط أوهام الوصاية؟

تجسد تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تجاه فرنسا عقيدة تقوم على مبدأ “الند للند” والسيادة الوطنية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

أبرز التصريحات والمواقف الندية:

العلاقات أصبحت ضارة: أكد الرئيس تبون في حوار لجريدة  l’Opinion الفرنسية أن المناخ مع فرنسا أصبح ضاراً، مضيفاً: “نحن نضيع الوقت مع ماكرون”، وأن الكرة الآن في مرمى الإليزيه لتجنب السقوط في افتراق غير قابل للإصلاح.

رفض الهيمنة وازدواجية المعايير: انتقد الرئيس عبد المجيد تبون ممارسات السلطات الفرنسية التي تحاول استهداف نشطاء جزائريين بينما تحمي مجرمين ومخربين بمنحهم الجنسية وحق اللجوء.

السيادة الوطنية قرار حر: شدد مراراً على أن القرار السيادي الجزائري مستقل تماماً، وأن الجزائر لا تخضع لأي ضغوط خارجية أو استعراض للقوة، وترفض أي مساس باستقلالية قرارها الدبلوماسي والاقتصادي.

الرد على المزاعم بخصوص العزلة: أكد الرئيس تبون أن مزاعم بعض الأطراف السياسية في فرنسا بأن الجزائر معزولة “تُضحكنا”، مشيراً إلى مكانة الجزائر الإقليمية والدولية الفاعلة.

كتاب “الجزائر – باريس: قضايا سامة” (Alger Paris – Affaires toxiques)، الصادر عن دار النشر الفرنسية ستوك في أواخر سبتمبر 2026 للصحافيين ماري كريستين ثابت وكريستوف دوبوا، يرصد كواليس وتدهور العلاقات الجزائرية – الفرنسية خلال عقد كامل.

يعتمد الكتاب على وثائق غير منشورة وشهادات نحو 100 شخصية (مسؤولين، وزراء، دبلوماسيين ورجال أمن)، وأهم محاوره هي:

تقاطع الملفات الأمنية والاستخباراتية

الصراعات داخل مراكز النفوذ في السلطة

الذاكرة، التاريخ، والهجرة

قضايا حقوقية وأحكام مثيرة للجدل

لم يعد خافياً على أحد أن مسار العلاقات الجزائرية – الفرنسية يشهد منذ سنوات واحدة من أحلّ مراحل التأزم والجمود. وفي الوقت الذي تحاول فيه الدوائر الإعلامية والسياسية في باريس توصيف هذا المأزق عبر إصدارات مثل كتاب “الجزائر – باريس: قضايا سامة” (Alger Paris – Affaires toxiques)  للصحافيين ماري كريستين ثابت وكريستوف دوبوا، فإن قراءة هذه المحاور من منظور جزائري خالص تكشف عن حقيقة واحدة لا رجعة فيها: ما تسميه باريس “أزمة” وجفاءً، تراه الجزائر المناهضة لكل أشكال التبعية والسقوط المدوي لمفهوم “الحديقة الخلفية” وأفول عصر الوصاية.

فالرؤية الراسخة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، واضحة وحاسمة لا تقبل التأويل ولا المساومة؛ فالعلاقة مع فرنسا لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس الندية التامة، الاحترام المتبادل، وعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي خطّها دماء الشهداء وتضحيات الأمة، وعلى رأسها السيادة الوطنية والاستقلال التام في القرار السياسي.

وفي ما يلي قراءة تحليلية في محاور هذا الكتاب بعيون جزائرية خالصة:

الندية الدبلوماسية: عندما يصمت الهاتف ويُفرض الاحترام

الرؤية الجزائرية: يصور الكتاب امتناع الرئيس عبد المجيد تبون عن الرد على اتصالات نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في ذروة الأزمات على أنه “جفاء دبلوماسي”. لكنه في الميزان السيادي الجزائري يُقرأ كرسالة واضحة لا لبس فيها: السيادة الجزائرية ليست محل تفاوض، ومن يخترق الخطوط الحمراء – كقرار الإليزيه الأخير المتهور بشأن مغربية الصحراء – يفقد حق الإصغاء. لقد أثبتت الجزائر أن لغة الاستخفاف بمصالحها العليا لم تعد تجدي نفعاً، وأن الدبلوماسية الرئاسية الجزائرية تُدار بمنطق الندية الكاملة لا بمنطق التابع والمتبوع.

سيادة الأمن القومي: طي صفحة “الاستباحة” على الأراضي الفرنسية

الرؤية الجزائرية: تحاول الدوائر الفرنسية تسليط الضوء على الملفات الأمنية والاستخباراتية وملاحقة الأصوات المثيرة للجدل واللوبيات المناهضة لاستقرار الجزائر في فرنسا لتشويه الصورة. غير أن الحقيقة الوطنية تؤكد أن الجزائر دولة ذات سيادة تحمي أمنها القومي واستقرار مؤسساتها بكل حزم. إن تحصين الساحة الوطنية والتصدي لأي محاولات لاستهداف الرموز والمؤسسات السيادية هو واجب مقدس، والوجود الجزائري في الخارج محكوم باحترام قوانين الدول المضيفة مع الرفض القاطع لتحويل الأراضي الأوروبية إلى منصات لاستهداف المصالح العليا للجزائر.

صراعات النفوذ في باريس: سقوط أسطورة “اللعب بالمحاور“

الرؤية الجزائرية: يشير الكتاب إلى تفاصيل صراعات النفوذ في مراكز القرار الفرنسي ومحاولات الضغط على شخصيات جزائرية رفيعة المستوى ومقربة من مؤسسة الجيش. وهنا يكمن مربط الفرس؛ فالجزائر الجديدة، بمؤسساتها الدستورية الصلبة وفي طليعتها الجيش الوطني الشعبي، قطعت مع زمن “الوصاية الداخلية والخارجية”. إن أي محاولة للعب ورقة الضغط عبر الأروقة الفرنسية هي رهان خاسر على أحصنة خاسرة، لأن القرار الجزائري يُصنع في الجزائر وبأيدي أبنائها الأحرار حصراً، بعيداً عن حسابات قاعات الصالونات الباريسية الضيقة.

الذاكرة والملف التاريخي: لا تقارب مستدام دون اعتراف حقيقي

الرؤية الجزائرية: يعترف الكتاب بأن ملف “الذاكرة والوصاية الاستعمارية” يظل العائق الأكبر أمام أي تقارب مستدام. وهنا تؤكد الجزائر مراراً وتكراراً أن طي صفحة الماضي لا يمكن أن يتم بسياسة “طمس الجرائم” أو القفز على الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري. إن محاولات باريس الهروب للأمام وتبييض الحقبة الاستعمارية مجرد محاولات بائسة لتجنب الاستحقاق التاريخي والأخلاقي. لا شراكة متوازنة ممكنة دون الاعتراف الكامل بفظائع الاستعمار وجبر ضرره التاريخي.

العدالة والقضايا الحقوقية: سيادة القانون وليست ورقة ابتزاز

الرؤية الجزائرية: فيما يتعلق بالقضايا القضائية والحقوقية المثارة حول أشخاص أدينوا أو أوقفوا في الجزائر (مثل بعض الصحافيين أو الأفراد المتورطين في قضايا أمنية)، تذكر الجزائر بأن قضاءها مستقل وناجز، وسيادتها القضائية خط أحمر لا تقبل الوصاية الحقوقية المزيفة. إن استخدام ورقة “حقوق الإنسان” كغطاء للتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر أو للضغط على قراراتها السيادية أسلوب عفا عليه الزمن. الجزائر تطبق قوانينها السيادية لحماية أمنها واستقرارها دون اكتراث للإملاءات الخارجية.

خلاصة القول: إن كتاب “قضايا سامة” إنما يوثق لحقيقة أن العلاقة بين الجزائر وفرنسـا قد دخلت مرحلة اللاعودة القديمة؛ مرحلة عنوانها الأبرز أن الجزائر الجديدة، بقيادتها الرشيدة وشعبها الأبي وجيشها الباسل، لن ترضى بأقل من الندية والاحترام المتبادل التام، وأن زمن “الأوامر الفوقية” قد دُفن إلى الأبد.

الرئيس المدير العام علي قطاف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى