الوهم المغربي في الصحراء الغربية.. نصرٌ من ورقٍ في بيانٍ من حبر

في كل مرة يصدر فيها قرارٌ أمميٌّ جديد بشأن الصحراء الغربية، يسارع الإعلام الرسمي المغربي إلى إعلان “نصرٍ دبلوماسيٍّ تاريخي”، حتى ليخيل للمرء أنّ قاعات التحرير تحوّلت إلى صالاتٍ للرقص في ليالي مراكش الصاخبة. غير أنّ قراءةً متأنّية لنص القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن تكشف أنّ ما يجري ليس إلا فصلاً جديداً من مسرحيةٍ قديمةٍ عنوانها التضليل المخزني، حيث يتحوّل البيان الأممي إلى مرآةٍ للوهم، تعكس صورة النصر في عيون من يريد تصديقها فقط.
فالحقائق الثابتة تقول إنّ شيئاً لم يتغيّر في جوهر القضية. فالصحراء الغربية ما تزال، وفق وثائق الأمم المتحدة، إقليماً غير متمتعٍ بالحكم الذاتي، خاضعاً لمسار تصفية الاستعمار منذ عام 1963. أما الشعب الصحراوي، فما زال متمسكاً بحقه الكامل في تقرير مصيره عبر الاستفتاء الذي أُنشئت من أجله بعثة المينورسو سنة 1991.
ولمن غابت عنه البديهيات، فإنّ MINURSO ليست بعثةً لتكريس “الحكم الذاتي” كما يروّج الإعلام المغربي الكسيح، بل اسمها وحده يكفي لفضح الزيف:
Mission des Nations Unies pour l’Organisation d’un Référendum au Sahara Occidental
أي: بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاءٍ في الصحراء الغربية.
فمهمّتها لم تكن يوماً إدارة حكمٍ ذاتي، بل الإشراف على استفتاءٍ حرٍّ يختار فيه الصحراويون مستقبلهم السياسي.
غير أنّ الرباط، وقد ضاقت ذرعاً بالانتظار قبل أن تفقد شرعيتها، قرّرت أن تكتب روايتها الخاصة. فحوّلت “الاستفتاء” إلى “حكمٍ ذاتي”، وأقنعت نفسها أولاً، ثم إعلامها ثانياً، ثم حاولت إقناع العالم أخيراً، بأنّ الأمم المتحدة تتبنّى رؤيتها. لكنّ النص الأمميّ واضحٌ وضوح الصحراء في الظهيرة: مجلس الأمن “أخذ علماً” بالمقترح المغربي، ولم “يعتمده”. وبين العبارتين مسافةٌ بحجم الصحراء نفسها.
أما جبهة البوليساريو، فما زالت الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي كما كانت منذ عقود. ولم تغيّر الأمم المتحدة موقفها قيد أنملة، بل تؤكد في كل مرة أنّ أيّ حلٍّ سياسي لا يكون مقبولاً ما لم توافق عليه البوليساريو صراحةً. وما عدا ذلك لغوٌ دبلوماسيٌّ لا قيمة له.
أما المشهد الدولي، فقد كشف بدوره تصدّع الرواية المخزنية. فلأول مرةٍ امتنعت الصين وروسيا، وهما من القوى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، عن دعم القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، فيما اختارت دولٌ أخرى الحياد. وهكذا سقطت رواية “الإجماع الدولي حول المقترح المغربي” سقوطاً هادئاً، لكنه مدوٍّ في معناه.
وحين يحاول المخزن أن يُلبس إخفاقه ثوب النصر، يبقى الواقع أقوى من كلّ دعاية. فالقرار الجديد لم يعترف بسيادة المغرب على الإقليم، ولم يمنحه أيّ تفويضٍ لتطبيق مشروعه المزعوم، بل منح الجميع مهلةً أخرى، كعادة القرارات التي تُكتب لتأجيل الأزمات لا لحلّها، مجلس الأمن “أخذ علماً” بالمقترح المغربي، ولم “يعتمده”. وبين العبارتين مسافة بحجم الجُمهورية العَربية الصَحراوية الدِيمقرَاطية نفسها. المغرب كسب الوقت، لكنه خسر المصداقية، بينما كسب الشعب الصحراوي تأكيداً قانونياً جديداً على حقه في تقرير مصيره.
وفي الأيام المقبلة، ستزدحم القنوات المغربية بـ”خبراء من ورقٍ” و”محلّلين من البلاستيك” يرتدون طرابيشهم الحمراء المضحكة، يشرحون “الانتصار البوريطي العظيم” كما لو أنه فتح أندلسيٌّ جديد. وسيتبارى المذيعون في سرد “الإنجازات الدونكيشوتية” التي لا وجود لها إلا في نشراتهم المسائية. لكنّ الحقيقة أبسط من كل هذا التجميل: الأمم المتحدة لم تُغيّر موقفها، والصحراء الغربية ما تزال تنتظر استقلالها، والعالم صار أوعى بحدود الرواية المخزنية التي بلغت مرحلة الإنهاك.
إنها مهزلةٌ دبلوماسية تتكرّر كل عام: يُكتب القرار نفسه تقريباً، وتُعلن الرباط النصر ذاته، ويظلّ الشعب الصحراوي في المكان نفسه. وحده الوهم يتطوّر، يتخذ أشكالاً جديدة، لكنّ رائحته تبقى كما هي… رائحة الخيبة الملفوفة بالعلم المغربي.
وفي النهاية، لا يمكن لآلة الدعاية أن تغيّر حقائق التاريخ، ولا يمكن للضجيج أن يحجب صوت العدالة.
فالصحراء الغربية ما زالت أرضاً تنتظر حريتها، والمخزن ما زال يبحث عن طريقةٍ جديدةٍ لبيع الوهم القديم بثوبٍ جديد.
بقلم: مروان محمد قطاف، كاتب ومحلل حر




