يوم المجاهد في عيون السينما: كيف وثقت الشاشة الفضية هجومات 55 ومؤتمر الصومام

يؤكد النقاد والباحثون في مقارباتهم وأبحاثهم ودرساتهم الأكاديمية ، وفي تحليلاتهم وقراءاتهم لمحتويات ومضامين السينما الوطنية (كسينما التحرير والمقاومة)، على أنها أداة نضالية لتوثيق الحقيقة وإثبات الهوية، في مواجهة السينما الكولونيالية التي استُخدمت لسلب الشعوب تاريخها وتلميع صورة المستعمر. وقد تباينت الآراء النقدية والفكرية في توصيف هذا الصراع البصري بين نوعين من الخطاب السينمائي:


السينما الكولونيالية (الممجدة للاستعمار)
أداة حرب نفسية ودعاية: وصف الباحثون والأكاديميون السينما الاستعمارية بأنها لم تكن بريئة ولا مجرد ترفيه بصري، بل كانت سلاحًا دعائياً خطيراً لتوجيه السياسة الثقافية وتمرير المشروع الإيديولوجي. تزييف الواقع وطمس الهوية: ركزت على ترسيخ مغالطة الرأي العام المحلي والعالمي، وتشويه صورة المجتمع الأصلي وتصويره بصور استشراقية متخلفة تبرر احتلاله، في محاولة ممنهجة لمسخ الذاكرة الثقافية وطمس معالم الهوية الوطنية.
خدمة المستوطنين: اقتصرت رؤيتها على نقل الحياة اليومية والرفاه للمستوطنين متجاهلة عمداً الظلم والاضطهاد الممارس ضد السكان المحليين.
السينما الوطنية (الموثقة للذاكرة الثورية)
سلاح نضالي وسيادة ثقافية: أشار النقاد إلى أن الكاميرا الوطنية ولدت من رحم المعركة، حيث حمل المجاهدون والمبدعون السلاح بيد والكاميرا بالأخرى، لتتحول الصورة إلى أداة مقاومة لا تقل شأناً عن الرصاص.
استنطاق الذاكرة الحية: عُرفت بأنها أضفت على التاريخ “ذاكرة حية” وحمت الرواية الوطنية من النسيان أو التزييف، عبر تقديم شهادات بصرية ووثائق وأرشيفات تنقض السردية الاستعمارية.
- التضامن الدولي وتدويل القضية: تميزت السينما الثورية بانفتاحها على الدعم العالمي وتعاون سينمائيين أحرار من شتى البلدان (مثل تجارب رينيه فوتييه وفيلم معركة الجزائر العالمي) بهدف إسماع صوت الشعوب المناضلة وعكس عدالة قضايا التحرر للرأي العام الدولي.
هذا من أهم ما قيل عن السينما الثورية والسينما الكولونيالية ، وهو ما يقودنا إلى طرح التساؤل التالي:هل تناولت السينما الجزائرية أو العالمية والأفلام الوثائقية يوم المجاهد الذكرى المزدوجة 20 أوت هجوم جيش التحرير الوطني 55 في الشمال القسنطيني وانعقاد مؤتمر الصومام 56؟
فعلا لقد تناولت السينما الجزائرية والوثائقيات هجومات الشمال القسنطيني (1955) ومؤتمر الصومام (1956) باعتبارهما محطتين مفصليتين في تاريخ الثورة الجزائرية، بينما ركزت السينما العالمية أكثر على الثورة بشكل عام دون التخصص في هذه الذكرى تحديداً.
وهذه أهم الأعمال التي وثّقت وتناولت هذين الحدثين:
1. الأفلام السينمائية الجزائرية



- فيلم “مصطفى بن بولعيد” (2008) للمخرج أحمد راشدي: يتطرق للتحضيرات والأوضاع السياسية والعسكرية التي سبقت ورافقت مرحلة هجومات 20 أوت 1955 ومؤتمر الصومام.
- فيلم “العقيد لطفي” (2015) للمخرج أحمد راشدي: يعرض تداعيات مؤتمر الصومام وتنظيم هيكلة جيش التحرير الوطني وتأسيس الولاية الخامس.
- فيلم “زبانة!” (2012) للمخرج سعيد ولد خليفة: يسلط الضوء على بدايات تنظيم الثورة والتحولات السياسية والعسكرية في تلك الفترة.
- فيلم “الخارجون عن القانون” (Hors-la-loi- 2010) للمخرج رشيد بوشارب: ينقل صورة عن التحول النضالي للشعب الجزائري ونشاط جبهة التحرير الوطني خلال منتصف الخمسينيات.
2. الأفلام الوثائقية (الجزائرية والدولية)
- وثائقيات التلفزيون الجزائري والمركز الوطني للبحث في الحركة الوطنية: توجد عشرات الوثائقيات المتخصصة التي تبث سنوياً في “يوم المجاهد” (20 أوت)، مثل وثائقي “مؤتمر الصومام: هندسة الثورة” و*”هجومات 20 أوت 1955: فك الحصار”*.
- وثائقيات قناة الجزيرة الوثائقية: أُنتجت عدة سلاسل تناولت تاريخ الثورة الجزائرية أفردت حلقات خاصة لـ مؤتمر الصومام وكيف أطّر الثورة سياسياً، وهجومات الشمال القسنطيني بقيادة زيغود يوسف.
- الوثائقيات الفرنسية (مثل أرشيفات الحرب الجزائرية): تناولت هجومات 20 أوت 1955 من زاوية الأرشيف العسكري الفرنسي والمجازر التي تلتها.
3. السينما العالمية
لا يوجد فيلم سينمائي هوليوودي أو عالمي روائي مخصص حصراً لـ 20 أوت، لكن السينما العالمية تناولت الثورة الجزائرية ككل:
- فيلم “معركة الجزائر” (La Battaglia di Algeri- 1966) للمخرج الإيطالي جيلوبونتيكورفو: يُعد أشهر فيلم عالمي عن الثورة، وعلى الرغم من أنه يركز على معركة العاصمة (1956-1957)، إلا أنه يعكس الهيكلية التنظيمية والسياسية التي نتجت أساساً عن مؤتمر الصومام.
- كلمةأخيرة
- يبقى “يوم المجاهد” مناسبة متجددة لتأكيد أهمية الفن السابع في حفظ الذاكرة الوطنية. إن إعادة تقديم هذه المحطات التاريخية عبر إنتاجات سينمائية ووثائقية حديثة هي أفضل طريقة لربط الجيل الجديد بأمجاد أجداده بأسلوب عصري يفهمه العالم.
مرسلي لعرج:أستاذ ،جامعة وهران 1 أحمد بن بلة




