الجزائر

سيناريو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات: عندما ترسم الجزائر حدودها السيادية بالخط الأحمر

أعلنت الجزائر رسمياً في 10 سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك على خلفية تراكمات وأسباب عديدة أشار إليها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تصريحاته السابقة.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أبرز ما صرح به الرئيس عبد المجيد تبون ومواقف الرئاسة الجزائرية بشأن هذه الأزمة:

الأثر السلبي والتدخلات الإقليمية

وصف الرئيس تبون في تصريحات إعلامية (في يوليو 2026) الإمارات بمصطلح “دويلة”، مشيراً إلى أن أثرها السلبي كبير جداً.

صرّح قائلاً: “أينما يضعون أقدامهم تراق الدماء.. نريد أن يبتعدوا عنا حتى لا تسيل الدماء عندنا”، في إشارة إلى القلق الجزائري من دور أبوظبي في بعض ملفات التوتر الإقليمي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي وليبيا.

استهداف الاستقرار الوطني والأمن القومي

تحدث الرئيس تبون في فبراير 2026  عن طرف إقليمي (في إشارة للإمارات) بمحاولة المس باستقرار الجزائر.

كما أشارت كذلك التقارير الرسمية ووسائل الإعلام إلى أن التصرفات الاستفزازية والعدائية المعارضة للمصالح الجزائرية أدت إلى استنفاد جميع الوسائل الدبلوماسية الممكنة لتصحيح المسار قبل إعلان القطيعة.

الخلافات الاقتصادية والتلويح بالتحكيم

تطرق الرئيس تبون إلى ملف الاستثمارات والضغوط الاقتصادية، مشيراً إلى أن الدولة التي ينتقدها هددت الجزائر باللجوء إلى التحكيم الدولي بشأن نزاعات تخص استثمارات معينة، ليتحدى تبون ذلك بالذهاب إلى التحكيم وعدم الخضوع لهذه الضغوط.

ترتكز القراءة الجزائرية لمسار العلاقات مع دولة الإمارات على مبدأ أساسي مفاده أن الجزائر لا تصنع الخصومات مجاناً، لكنها ترسم خطوطاً حمراء مشدودة حول السيادة الوطنية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض الاستقواء بالخارج لتغيير التوازنات الإقليمية.

يعود التوتر الحالي إلى تباين عميق في العقائد السياسية والمشاريع الإقليمية لكلا البلدين، ويمكن تفكيك الكرونولوجيا والسياقات كالتالي:

1. مرحلة التنافر الصامت والتباين الاستراتيجي (2019 – 2020)

دعم الثورات المضادة مقابل الحراك الجزائري: أبدت الجزائر احترازاً شديداً من المخططات الإقليمية التي تقودها بعض أطراف الخليج لإعادة تشكيل المشهد السياسي العادي بعد الحراك الشعبي في الجزائر عام 2019.

اتفاقيات أبراهم (2020): شكلت نقطة التحول الكبرى؛ إذ رأت الجزائر في الهرولة نحو التطويع والتطبيع الاستراتيجي وإدخال الكيان الصهيوني إلى منطقة شمال أفريقيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي وقومية الملف الفلسطيني.

2. مرحلة التصعيد والتمدد المباشر في منطقة النفوذ (2021 – 2023)

الملف الليبي: تعارضت الرؤية الجزائرية القائمة على الحل السياسي “الليبي-الليبي” والوقوف على مسافة واحدة مع الدعم الإماراتي غير المشروط لأطراف عسكرية معينة لتغذية الانقسام والتسليح، مما يطيل أمد الأزمة على الحدود الشرقية للجزائر.

التواجد في منطقة الساحل والغرب الأفريقي: استشعرت الجزائر استثماراً إماراتياً مكثفاً يهدف إلى إضعاف الدور الدبلوماسي الجزائري في دول الجوار (مثل مالي والنيجر)، من خلال ضخ أموال وقروض ناعمة لدعم نخب وحكومات انتقالية تميل للابتعاد عن التفاهمات الجزائرية التاريخية (مثل اتفاق السلم والمصالحة).

الملف الصحراوي ومحيط المغرب العربي: رأت الجزائر أن الدعم المالي والدبلوماسي المكثف (افتتاح قنصلية في العيون المحتلة) واستقدام التكنولوجيا والأسلحة المتقدمة للمنطقة يؤدي إلى إخلال بالتوازن العسكري وزيادةسخونة المنطقة.

3. مرحلة التصريحات العلنية والرسائل الصارمة (2023 – 2024)

تحذيرات مجلس الأمن القومي الجزائري: في تحول نادراً ما يحدث بالمصطلحات الدبلوماسية، وجه المجلس الأعلى للأمن في الجزائر (برئاسة رئيس الجمهورية) رسائل تحذيرية صريحة لـ “دولة عربية شقيقة” بضرورة الكف عن التصرفات العدائية وتغذية الفتن بين دول الجوار.

الحرب الاقتصادية غير المعلنة: اتخاذ الجزائر خطوات لتقليص أو مراجعة بعض الاستثمارات والشركات المشتركة التي تعتمد على رأس المال الإماراتي في مجالات حيوية (كالتبغ والموانئ)، لضمان عدم استغلال النفوذ الاقتصادي لغايات سياسية.

خلاصة الرؤية الجزائرية للحل أو الاستمرار

المنظور الجزائري لا ينطلق من كره شخصي أو اندفاع عاطفي، بل من تحليل أمني واقتصادي ببرودة أعصاب:

  1. الجزائر دولة مركزية في أفريقيا والمتوسط، وتعتبر أي محاولة لتطويقها أو نقل الصراعات الشرق أوسطية إلى مجالها الحيوي مجرد مغامرة غير محسوبة.
  2. الندّية والاستقلالية: ترحب الجزائر بالاستثمارات والتعاون الشريف، لكنها ترفض سياسة “الدبلوماسية المالية” التي تحاول فرض إملاءات سياسية أو تغيير مواقف الجزائر الثابتة تجاه القضايا العادلة (فلسطين والصحراء الغربية).

بقلم الرئيس المدير العام: علي قطاف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى