مجتمع

وحدة كبار السن.. من يملأ الفراغ عندما ينشغل الأبناء؟

لم تعد وحدة كبار السن مجرد مسألة تتعلق بغياب الأبناء عن المنزل، بل أصبحت قضية اجتماعية وإنسانية تطرح أسئلة حول طبيعة العلاقات الأسرية، ومدى حضور الرعاية والاهتمام في حياة الآباء والأمهات مع تقدمهم في السن. فبين ضغوط العمل، ومتطلبات الحياة اليومية، ومسؤوليات تربية الأبناء، قد يجد بعض كبار السن أنفسهم أمام ساعات طويلة من الصمت، ينتظرون مكالمة هاتفية أو زيارة قصيرة تعيد إليهم الشعور بأنهم ما زالوا جزءًا أساسيًا من حياة أسرهم.

ومع تغير أنماط العيش واتساع المسؤوليات اليومية، لم يعد التواصل العائلي بالضرورة مرتبطًا بالعيش تحت سقف واحد، فقد يكون الأبناء قريبين جغرافيًا، لكنهم بعيدون من حيث التواصل والاهتمام، وهو ما يجعل الوحدة تجربة قد يعيشها المسن حتى في وجود أفراد أسرته من حوله.

ولا تعني هذه الصورة أن جميع الأبناء يتخلون عن آبائهم، فالكثير منهم يواجه ظروفًا مهنية وأسرية صعبة، غير أن التحدي يكمن في كيفية التوفيق بين هذه الالتزامات والحفاظ على روابط عائلية تمنح كبار السن الشعور بالأمان والتقدير.

الوحدة وآثارها النفسية والصحية على كبار السن

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العزلة الاجتماعية والوحدة من العوامل التي قد تؤثر سلبًا في الصحة النفسية لكبار السن، وترتبطان بارتفاع مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق. كما تظهر الأدلة العلمية ارتباطهما بمشكلات صحية جسدية وتراجع في القدرات المعرفية، وإن كانت هذه الارتباطات لا تعني أن الوحدة تؤدي حتمًا إلى الإصابة بهذه الأمراض.

ومن الضروري هنا التمييز بين العيش بمفردهم والشعور بالوحدة؛ فليس كل مسن يعيش وحده يشعر بالعزلة، كما يمكن لشخص أن يعيش وسط أسرته ويشعر بأنه غير مسموع أو غير مشارك في الحياة اليومية. ولذلك لا يقاس الاهتمام بعدد الأشخاص الموجودين في المنزل فقط، بل بجودة العلاقات، ووجود من يستمع إلى المسن ويشاركه اهتماماته ويطمئن على احتياجاته.

وفي السياق الجزائري، تناولت دراسة أكاديمية بعنوان «رعاية الأسرة للمسن فاقد الاستقلالية: دراسة ميدانية نظرية على عينة من الأسر في الجزائر العاصمة» واقع التكفل الأسري بكبار السن الذين فقدوا جزءًا من استقلاليتهم، والتحديات التي تواجه الأسر في أداء هذه المسؤولية. ويبرز هذا الموضوع أهمية النظر إلى رعاية المسنين باعتبارها مسؤولية أسرية واجتماعية تتطلب دعمًا وتفهمًا لاحتياجات هذه الفئة.

من يملأ الفراغ عندما ينشغل الأبناء؟

لا يمكن أن يكون الحل في مطالبة الأبناء بالتخلي عن مسؤولياتهم المهنية والأسرية، بل في إيجاد توازن يضمن ألا تتحول الانشغالات اليومية إلى انقطاع عاطفي عن الوالدين. فقد تكون مكالمة منتظمة، أو زيارة في نهاية الأسبوع، أو اصطحاب المسن في نزهة قصيرة، خطوات بسيطة لكنها تعزز شعوره بالانتماء والاهتمام.

ويمكن للأقارب والجيران الموثوقين أن يسهموا في تخفيف العزلة من خلال السؤال عن كبار السن ومساعدتهم عند الحاجة، كما تستطيع الجمعيات والنوادي المحلية والأنشطة الاجتماعية توفير فرص للتواصل والمشاركة، خصوصًا لمن يعيشون بمفردهم أو يجدون صعوبة في التنقل. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتعزيز الروابط الاجتماعية، وتطوير مجموعات الدعم والأنشطة المجتمعية، وتحسين فرص الوصول إلى وسائل النقل والتواصل للحد من العزلة.

ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام على الزيارات والمحادثات، بل يشمل أيضًا متابعة الاحتياجات الصحية والمعيشية للمسن، والتأكد من حصوله على الرعاية اللازمة، والانتباه إلى التغيرات المستمرة في مزاجه أو سلوكه، خاصة إذا ظهرت علامات حزن متواصل أو انسحاب من الأنشطة المعتادة.

في النهاية، لا يحتاج كبار السن دائمًا إلى حلول معقدة بقدر حاجتهم إلى الشعور بأن وجودهم ما زال مهمًا، وأن سنوات العطاء التي قدموها لأسرهم لم تجعلهم خارج دائرة الاهتمام. فالسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة ليس فقط: كيف نعتني بوالدينا عندما يحتاجون إلى المساعدة؟ بل أيضًا: كيف نحافظ على حضورنا في حياتهم قبل أن تتحول الوحدة إلى جزء من يومهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى