نقاط قوة وتوجه ذكّي.. هكذا تتحول الجزائر إلى قوة صناعية

أبرز رئيس شركة شمال إفريقيا لاستشارات المخاطر والباحث في مركز مكافحة الإرهاب، جيف بورتر، نقاط القوة التي تتمتّع بها الجزائر وتؤهلها لأن تكون قوة صناعية بمواردها، معتبرا أنه على الولايات المتحدة الانخراط مع الجزائر.
جيف بورتر شرّح خلال نزوله ضيفا على برنامج “نقطة ارتكاز” لقناة “الجزائر الدولية” عوامل قوة الجزائر، خاصة فيما يتعلق بموثوقيتها الكبيرة كمورّد للطاقة، وأشار في المقابل إلى بعض التحديات التي تواجهها كدولة تسعى إلى استثمارات في القطاع لفائدة الأجيال القادمة. وقال جيف بورتر إن الخطوات الأولى لتطوير قطاع المعادن الحيوية والأتربة النادرة في الجزائر يجري اتخاذها الآن، على غرار قانون الاستثمار واستخراج المعادن الحيوية، مشيرا إلى أن الخطوات الإضافية التي يجب اتخاذها هي فهم أفضل لنوعية الأتربة النادرة والمعادن الحيوية المتوفرة في الجزائر وللآليات التي يمكن من خلالها للشركات الدولية مساعدة الجزائر لتطوير هذه الرواسب.
وعرّج جيف بورتر على أحدث آثار عدم الاستقرار في الخليج العربي حاليا، وقال إنها تشكّل وعيا متزايدا بأهمية إمدادات الطاقة الانتقالية مثل الغاز الطبيعي، وأضاف: “نحن نعلم أن الانتقال الطاقوي لا يحدث بين عشية وضحاها ولن ننتقل فورا إلى الطاقة المتجدّدة، ونحتاج إلى إنتاج طاقة انتقال مثل الغاز الطبيعي”، وأكد أن “أزمات الخليج زادت من وعي العالم بأهمية الجزائر كمزوّد آمن بالغاز الطبيعي لأوروبا، وهذا يمنحها الوقت لتطوير قطاع المعادن الحيوية وقطاع الأتربة النادرة، مع العمل في الوقت ذاته على زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا”.
نقاط قوة وتوجّه ذكيّ
واعتبر جيف بورتر أن الجزائر توجّهت بذكاء نحو تنويع شركائها الأجانب، وأنها بذلت جهدا لتنويعهم في قطاع المنبع الجزائري. وفي السياق، قال رئيس شركة شمال إفريقيا لاستشارات المخاطر والباحث في مركز مكافحة الإرهاب، إن “الجزائر كانت تعتمد تاريخيا على قليل من شركات الطاقة الدولية لتطوير المنبع، وأدركت بحق أن هذا تهديد للمصلحة الوطنية، ولهذا سعت خلال العقد الماضي إلى زيادة عدد الشركات من دول مختلفة للمشاركة في قطاع المنبع، وهذا التنوّع في الشركات يقلل أي مخاطر”. وأوضح ضيف قناة “الجزائر الدولية” أن الجزائر باستراتيجيتها الأوسع حاولت دمج شركاء دوليين إقليميين آخرين لتطوير بنيتها التحتية للطاقة وسوق الطاقة الخاص بها، مستدلا بجهود سوناطراك لتطوير أنبوب الغاز العابر للصحراء، والذي سيدمج دول الساحل في شبكة الطاقة الجزائرية ويسمح بالتنمية الاقتصادية في الساحل والصحراء وبتوسيع البصمة الإقليمية للجزائر. وفي السياق، أشار المتحدث إلى أن الجزائر تملك موارد طاقة جاذبة للمستثمرين الدوليين وتملك البنية التحتية الجاهزة التي تسمح للوافدين الجدد على قطاع الطاقة باستخدام الموارد التي يستخرجونها ماليا فقط.
ومن بين نقاط قوة الجزائر، قربها من الأسواق الأوروبية دون نقاط اختناق جغرافية مثل تلك الموجودة في مضيق هرمز وباب المندب، حسب جيف بورتر، الذي أشار إلى بعض التحديات لتطوير القطاع، قائلا: “أعتقد أن هناك انفصالا في السرعة التي ترغب بها شركات الطاقة الدولية للمضي قدما في الاستثمارات والإدارة المستقرة لقطاع الهيدروكاربونات التي نراها في الجزائر”، وأضاف: “أحد تحديات القطاع أنهم لا يديرون الاستثمار للراهن فقط، ولكن للأجيال القادمة”.
“تطور البيئة الجيوسياسية سمح للجزائر بترسيخ نفسها كجزيرة استقرار”
وأكد جيف بورتر أن مجموعة من العوامل أدت إلى الاستقرار الحالي في الجزائر، أبرزها “تطور في البيئة الجيوسياسية سمح لها بترسيخ نفسها كجزيرة استقرار، وداخليا أدارت الجزائر اقتصادها بطريقة محافظة وحذرة واستغلت مواردها الهيدروكاربونية تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون وزادت من توزيعها على مساحة البلاد الشاسعة.. لا ترتكز الثروة في وهران والعاصمة فقط، فهناك تنمية اقتصادية أوسع في الصحراء الكبرى والجنوب، كبشار وتمنراست وغيرهما”.
وأشار المصدر إلى أن الجزائر تواصلت مع شركائها الإقليميين من تونس والنيجر وتشاد، كما حاولت بناء جسور مع مالي رغم المسار السياسي التنازلي هناك، لذا اتخذت نظرة متحفظة وطويلة الأمد للغاية.
وشدد المتحدث على موثوقية الجزائر كمورد للطاقة، وقال: “الجزائر بلا شك مورد موثوق لسوق أوروبا وما وراءها، لم تلغ عقدا واحدا ولم تقصّر في التزام لتسليم جزيء واحد ولا شك في ذلك”، وأضاف: “من ناحية أخرى يمكن للجزائر أن تطوّر فهما أفضل للحفاظ على الطاقة المحلية مما يسمح لها بالوفاء بالتزامات إضافية لتلبية مطالب إضافية للطاقة الأوروبية”. واعتبر “المعادلة معقّدة” لأن الجزائر تحتاج إلى ضمان استخدام الطاقة في تنميتها الصناعية المحلية ولديها القدرة لتصير قدرة صناعية، لذلك “يجب إيجاد توازن بين إمداد السوق الأوروبية وضمان التنمية الاقتصادية في الجزائر”.
الولايات المتحدة تدرك باستمرار أن قدرة الجزائر الإقليمية لا يمكن تجاهلها
وعن مكانة الجزائر على الصعيد الدولي، وبالنسبة للولايات المتحدة تحديدا، يرى جيف بورتر أن الزيارات الأخيرة لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى من نائب وزير الخارجية، كريستوفر لاندو، والجنرال داغفين أندرسون من القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، مؤشر على الأهمية الإقليمية للجزائر كشريك استراتيجي، مؤكدا أن الزيارتين جاءتا بمبادرة وطلب من واشنطن وليس بدعوة من الجزائر، وقال: “هذا يعني أنه بغض النظر عن علاقات الجزائر الأخرى حول العالم، تدرك الولايات المتحدة باستمرار أن الجزائر قدرة إقليمية ولا يمكن تجاهلها”، وشدّد على أنه “سواء اتفقت الولايات المتحدة بشكل كامل مع سياسة الجزائر الخارجية أو الداخلية فهذا لا يهم، وعلى الولايات المتحدة الانخراط مع الجزائر”.



