مجتمع

أحزان الغابات… وأكاليل الرماد

إلى أرواح الأبرار الذين طواهم الجمر فصاروا رماداً يزهر، وإلى كل شجرة زيتون عانقت النار واقفةً كي لا يسقط الرمز.. إلى شموخ الجزائر من تخوم الطارف إلى تراب تمنراست، أهدي هذا النداء.

 إلى الأيدي التي ما انفرط عقدها حين اشتدّ الأذى، وإلى كل قافلة عابرت صحاري العزّ لتغيث جرح الشقيق.. إلى الذين أثبتوا أن الألم يصنع هوية الأمم، أهدي هذه الحروف كفنّاً للذكرى وبذرةً للغد.

 إلى غابات الجزائر التي احترقت واقفةً، فكانت ضحكاتها رماداً، وأنفاسها وطناً… إلى شهداء الواجب وضحايا اللهب والوفاء.

إلى من جعلوا من الموت عيداً للشهادة، ومن الفاجعة منارة للصبر العظيم؛ عتبةً نخلد بها وجع الأرض ونفَس الرجال الأحرار.

 (1)  جيجل: رئة البحر وقمصان الرماد

أيها البحرُ المؤزَّرُ بالغمام، ما بالُ شطئانِك الجَذْلى تُواري شمسَها تحت الدخان؟ كيف استحالت “جيجلُ” العذراءُ من سِحْرِ الجبالِ، ومن سياجِ الزيتونِ… كومةَ لوعةٍ وسواد؟ هنا، في “تاكسانة”… في “العوانة”… كان للأشجارِ صوتٌ كالأذان، وكان للغاباتِ أنفاسُ الصباح. فجأةً… ثارَ اللَّهيبُ، تكسَّرتْ رئةُ الطبيعةِ، واسْتَحَمَّ الصَّنَوْبَرُ بالقَطِران! رحَلوا… كأنَّ الموتَ في أدْخانِهم فَرَضَ الصَّلاةَ، إِنَّ لِكُلِّ مَصِيبَةٍ سَبَباً، وَلِكُلِّ حُزْنٍ خِتَامَا، لكنَّ “جيجلَ” هاهُنا… تَبْكِي بَنِيها بالدُّموعِ المالحاتِ، تَزُفُّ للجنَّاتِ أرواحاً طَوَاهَا جَمْرُها… ولِكُلِّ مَنْ شَهِدَ الفَجِيعَةَ أَنْ يَقُول: مَنْ أَنْقَذَ الرُّوحَ الزَّكِيَّةَ كَانَ يَبْنِي حَيَاةً لِلأَنَام!

 (2)  تيزي وزو وبجاية: المجد فوق القمم

يا جبالَ “جرجرةَ” العَصِيَّةَ، يا مَنادِيلَ “بجايةَ” المبلَّلَةَ بالفَجِيعَةِ، ما لكِ تحتَ الهَجِيرِ تَلَفَّحِينَ؟ هنا تَشَبَّثَ الأبطالُ بأرضِهِم، عانَقُوا جَذْعَ الزَّيْتُونِ المشتَعِلِ كيْ لا يَمُوتَ الرمزُ في وطَنِ الصُّمُود. فِي جَوهَرِ “تيزِي” كَانَ لِلْمَوْتِ نَشِيدٌ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. قالَ الحَكِيمُ القَدِيمُ يَوْماً: تَصْفُو الرِّجَالُ إِذَا جَلَتْهَا الأَزْمَاتُ؛ وهنا على هَضَبَاتِ القَبَائلِ، صَارَ المَوْتُ عِيداً لِلشَّهَادَةِ… صَارَتْ الأَرْوَاحُ صُعُداً للسمَاء!

(3)  الطارف وسوق أهراس: حدائق الشرق الثكلى

يا “طارفَ” الخُضْرَةِ، يا بَوَّابَةَ الحُلْمِ الشَّفِيفِ، كَيْفَ اغْتَذَى “القَالَةُ” باللَّهَبِ الحَارِقِ؟ وَهِيَ التِي كَانَتْ لِلْعَصَافِيرِ المَلاذَ، ولِلصَّيَّادِ المَرَام؟ وفي “سُوقِ أَهْرَاسَ”… حَيْثُ مَرَّتْ قَوَافِلُ الحُكَمَاءِ عبرَ الدَّهْرِ، غَشِيَ النَّهَارَ شُوَاظُ نَارٍ فَغَدَا الشَّجَرُ القَدِيمُ خَرائبَ، وَغَدَا الرَّمَادُ هُو الكَفَنْ. لَكِنَّ فِيهِمْ نَبْضَ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. فَمَا سَقَطَتْ حُدُودُ المَشْرِقِ المغْدُورِ… إِلا لِتُنْبِتَ في القُلُوبِ مَلاحِمَ الصَّبْرِ العَظِيم.

 (4)  سكيكدة وبومرداس وتيبازة: طوق النار والماء

مِنْ زُرْقَةِ الشَّاطِئِ حَتَّى خُضْرَةِ التِّلالْ، امْتَدَّ طَوْقُ النارِ يَأْكُلُ كُلَّ حَيّْ. “سِكِيكْدَةٌ” الثَّكْلَى… “بُومِرْدَاسُ”… و”تِيبَازَةُ” التَّارِيخُ… كُلُّهَا امْتَحَنَتْ صَلاَبَةَ أَهْلِهَا. أَحْرَاقُكُمْ حَرَقَتْ جُفُوناً لا تَنَامْ، لَكِنَّ فِي أَعْمَاقِهِمْ مَثَلاً لِكُلِّ العَالَمِينَ: “جون بول سارتر” قَالَهَا مَرَّةً: الأَلَمُ يَصْنَعُ هُوِيَّةَ الأُمَمِ، وَهَهَنَا صَنَعَتْ حَرِيقَاتُ الطَّبِيعَةِ هُوِيَّةَ المَجْدِ الجَدِيدِ… لا المَاءُ يُطْفِئُ حُزْنَنَا، وَلا الجَمرُ يَكْسِرُ حُلْمَنَا باِكْتِمَالْ!

(5)  ملحمة التضامن: الجسد الواحد والرّباط الأصيل

تِلْكَ هيَ الأَرْضُ العَظِيمَةُ… مَا إِنْ يَصِيحُ الشَّرْقُ مِنْ وَجَعٍ، حَتَّى يُلَبِّي الغَرْبُ… والْجَنُوبُ يَسِيرُ بالأَرْزَاقِ، وَالصَّحْرَاءُ تَمْتَدُّ جُسُوراً لِلرَّخَاءْ! يَقُولُ المَثَلُ الجَزَائِرِيُّ الأَصِيلُ: يَدْ وَحْدْهَا مَا تُصَفَّقْ… بَصح صحَابْ النَّخْوَة يَرْفْعُوا الشَّدَّة. أَتَتِ الشَّاحِنَاتُ مِنَ “التَّمَنْرَاسِتِ” حَتَّى “وَهْرَان”، وَحَمَلَ الشَّبَابُ أرْوَاحَهُمْ فِي الأَكُفِّ، دَخَلُوا المَعَامِعَ لا يَهَابُونَ الحَرِيقْ. فَكَأنَّهُمْ شُهَدَاءُ أَمْسٍ، وَكَأَنَّهُمْ قُولُ حَكِيمٍ عَالمِيّْ: لا تُقاسُ الإِنْسَانِيَّةُ حَقِيقَةً… إِلا حِينَ نَتَقَاسَمُ الجُرْحَ وَالرَّغِيف.  (6)  الخاتمة: القيامة من تحت الرماد

نَامُوا هَنِيئاً أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ فِي خُلْدِ السَّمَاء، مَا كَانَ هَذَا المَوْتُ إِلا المَبْدَأَ المَبْرُورَ، تِلْكَ الدِّمَاءُ وَذَا الرَّمَادُ… سَيَصِيرُ غَداً غَابَاتٍ جَدِيدَةً، سَيَصِيرُ زَيْتُوناً يُضِيءُ بَلا دُخَانْ(. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) سَتَعُودُ “جِيجَلُ” كَالْعَرُوسِ، وَيَبْتَسِمُ الرَّاعِي عَلَى قِمَمِ “الْجُرْجُرَةِ”، تَبْقَى الجَزَائِرُ وَاحَةً لِلْعِزِّ… شَامِخَةً تَصُدُّ الفَاجِعَة!

مرسلي لعرج،أستاذ بجامعة وهران 1 أحمد بن بلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى