مجتمع

تصوير الآخرين دون إذنهم.. أين تنتهي حرية النشر وتبدأ الخصوصية؟

لم يعد التقاط الصور ومقاطع الفيديو يحتاج إلى معدات خاصة أو إجراءات معقدة، فالهاتف النقال الموجود في جيب كل شخص تقريبًا أصبح كافيًا لتوثيق موقف عابر ونشره خلال ثوانٍ على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هذه السهولة تطرح إشكالًا متزايدًا عندما يتعلق الأمر بتصوير الآخرين دون علمهم أو نشر صورهم ومقاطع تظهرهم في مواقف لم يختاروا مشاركتها مع الجمهور.

وبين من يعتبر التصوير في الأماكن العامة حقًا متاحًا، ومن يرى أن نشر صور الأشخاص دون موافقتهم تعدٍّ على خصوصيتهم، يبرز سؤال أساسي: هل تمنح حرية النشر صاحب الهاتف الحق في تصوير الآخرين ومشاركة صورهم دون قيود؟

من التوثيق إلى انتهاك الخصوصية

قد يبدأ الأمر بتصوير موقف في الشارع، أو تسجيل مشادة بين شخصين، أو بث مباشر من مكان عام، ثم يتحول المقطع إلى محتوى متداول على نطاق واسع. وفي بعض الحالات، لا يقتصر النشر على توثيق الواقعة، بل يتضمن إظهار وجوه الأشخاص أو أصواتهم أو تفاصيل تسمح بالتعرف عليهم، وربما إضافة تعليقات ساخرة أو اتهامات قد تؤثر في سمعتهم.

وتكمن المشكلة في أن الشخص الذي يظهر في المقطع قد لا يكون موافقًا على تصويره أو نشره، كما أن انتشار المحتوى قد يجعل استرجاعه أو الحد من تداوله أمرًا صعبًا، حتى بعد حذفه من الحساب الذي نشره أول مرة.

ولهذا، فإن القدرة التقنية على التصوير والنشر لا تعني بالضرورة وجود مبرر أخلاقي أو قانوني للقيام بذلك.

هل التصوير في الأماكن العامة يعني سقوط الحق في الخصوصية؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن وجود الشخص في الشارع أو السوق أو مكان عام يجعله متاحًا للتصوير والنشر دون أي اعتبار آخر. فهناك فرق بين ظهور الأشخاص عرضًا ضمن مشهد عام، وبين استهداف شخص بعينه وتصويره بطريقة تمس بكرامته أو تكشف معلومات خاصة عنه.

كما أن توثيق حدث ذي أهمية عامة يختلف عن تصوير شخص في موقف محرج بهدف السخرية منه أو التشهير به. فالسياق والغرض وطبيعة المحتوى وطريقة استخدامه عوامل مهمة عند تقييم مشروعية التصوير والنشر.

ومن ثم، فإن احترام الخصوصية لا يتعارض بالضرورة مع توثيق الأحداث أو نقل المعلومات، بل يقتضي تحقيق توازن بين حق الجمهور في معرفة ما يحدث وحقوق الأشخاص الذين يظهرون في المحتوى.

ماذا يقول القانون في الجزائر؟

يكرّس الدستور الجزائري حماية الحياة الخاصة والشرف، كما ينص على أن حرية نشر الأخبار والصور والآراء تُمارس في إطار القانون، ولا يجوز استخدامها للمساس بكرامة الآخرين وحرياتهم وحقوقهم.

كما يتضمن قانون العقوبات أحكامًا تعاقب على بعض صور المساس بحرمة الحياة الخاصة، من بينها التقاط أو تسجيل أو نقل صورة شخص موجود في مكان خاص دون إذنه أو رضاه، وفق الشروط الواردة في المادة 303 مكرر. وتتناول المادة 333 مكرر 4، التي أضيفت بموجب القانون رقم 24-06 المؤرخ في 28 أبريل 2024، نشر أو إذاعة صور أو فيديوهات أو معلومات خاصة بالغير دون إذنه أو رضاه، مع تحديد العقوبات التي ينص عليها القانون.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكم القانوني يختلف باختلاف طبيعة الواقعة ومكان التصوير ومحتوى المادة المنشورة والظروف المحيطة بها؛ لذلك لا يصح اعتبار كل صورة لشخص دون موافقته جريمة تلقائيًا، كما لا يصح افتراض أن التصوير في مكان عام يبيح جميع أشكال النشر.

البث المباشر.. عندما يصبح الخطأ أوسع انتشارًا

يزيد البث المباشر من حساسية المسألة، لأنه ينقل المشهد إلى الجمهور لحظة وقوعه، دون إتاحة الوقت الكافي لمراجعة المحتوى أو إخفاء الوجوه أو التحقق من المعلومات المصاحبة له.

وقد يظهر أشخاص في خلفية البث أو تُنقل أحاديثهم وأصواتهم دون علمهم، ثم تُحفظ المادة أو يعاد نشرها خارج سياقها الأصلي. وفي هذه الحالة، لا تقتصر المسؤولية المحتملة على لحظة التصوير، بل قد تمتد إلى طبيعة المحتوى المنشور والضرر الذي يمكن أن يسببه.

ويزداد الأمر حساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو المرضى أو الأشخاص الموجودين في مواقف إنسانية صعبة، حيث ينبغي توخي عناية أكبر قبل تصويرهم أو تداول صورهم.

قبل نشر أي صورة.. أسئلة تستحق التوقف

يمكن الحد من كثير من التجاوزات من خلال اعتماد خطوات بسيطة قبل النشر. أولها، سؤال الشخص المعني عن موافقته عندما يكون هو محور الصورة أو الفيديو، خصوصًا إذا كان المحتوى يتضمن تفاصيل شخصية أو موقفًا حساسًا.

ومن المهم أيضًا التفكير في الغرض من النشر: هل يحقق فائدة عامة حقيقية، أم يهدف فقط إلى جذب المشاهدات؟ وهل يمكن توثيق الحدث دون كشف هوية الأشخاص أو إظهار تفاصيل لا ضرورة لها؟ وهل يعكس التعليق المرفق بالمقطع ما حدث فعلًا، أم يوجه الجمهور إلى استنتاجات غير مؤكدة؟

وفي حال كان المحتوى يوثق واقعة تستحق الإبلاغ، فقد يكون من الأنسب تقديمه إلى الجهات المختصة بدل نشره بطريقة قد تعرض الأشخاص للتشهير أو تعرقل معالجة الواقعة.

حرية النشر مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا

أصبحت مواقع التواصل تمنح الأفراد قدرة كبيرة على توثيق الأحداث والتأثير في الرأي العام، لكن هذه القدرة تفرض مسؤولية في التعامل مع صور الآخرين ومعلوماتهم الشخصية. فليس كل ما يمكن تصويره مناسبًا للنشر، وليس كل محتوى يثير التفاعل مبررًا لتداوله.

وفي النهاية، لا تكمن المسألة في الاختيار بين حرية النشر واحترام الخصوصية، بل في ممارسة الحرية بطريقة لا تتحول إلى اعتداء على حقوق الغير. فقبل الضغط على زر النشر، قد يكون السؤال الأهم: لو كنت مكان الشخص الذي يظهر في هذا المقطع، فهل سأقبل أن تنتشر صورتي بالطريقة نفسها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى