الصحراء الغربية : المفاوضات المباشرة تسقط وهم “السيادة المحسومة” وتعيد المخزن إلى مأزق تقرير المصير

منذ نصف قرن، تحاول الرباط فرض الأمر الواقع في الصحراء الغربية، عبر سياسة تقوم على التوسّع وشراء المواقف، والترويج لرواية تسعى إلى تحويل قضية تصفية استعمار واضحة المعالم إلى نزاع حدودي مفتعل. لكن ما تكشفه التطورات الأخيرة، وما تؤكده التصريحات الرسمية الجزائرية، هو أن الزمن بدأ يفضح هشاشة الأطروحة المغربية، وأن منطق القانون الدولي عاد ليفرض نفسه بقوة، مهما حاولت آلة الدعاية المخزنية الالتفاف عليه.
ففي وقت يواصل المخزن تسويق خطاب “الحكم الذاتي” باعتباره الحلّ الوحيد، جاءت تصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لتعيد وضع القضية في إطارها الحقيقي: قضية شعب ينتظر استكمال مسار تقرير المصير، لا قضية سيادة محسومة كما يحاول الاحتلال تصويرها.
عطاف لم يتحدث بلغة المزايدات، بل بلغة المبادئ المؤسسة للعمل الإفريقي المشترك، مؤكدا تمسك الجزائر بحق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وأولوية الحلول السياسية والدبلوماسية، وهي مبادئ لا تبدو مزعجة إلا لمن اعتاد فرض الأمر الواقع بالقوة والدعاية.
الأهم في التصريحات الجزائرية أنها جاءت متزامنة مع مسار تفاوضي جديد أطلق مطلع السنة الجارية تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وهو تطوّر يحمل دلالات سياسية عميقة، فمجرد العودة إلى طاولة المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو يعني عمليا سقوط الرواية التي حاولت الرباط فرضها لسنوات، والقائمة على إنكار وجود طرف صحراوي ممثّل للشعب الصحراوي.
هنا تكمن الضربة الحقيقية للمخزن، لأن التفاوض المباشر لا يتم بين “دولة وأقاليمها”، بل بين طرفي نزاع معترف بهما دوليا، وهذه الحقيقة وحدها تكفي لنسف سنوات من الخطاب الإعلامي المغربي الذي حاول تسويق الاحتلال كأمر منته، فلو كانت القضية محسومة كما تدّعي الرباط، فلماذا العودة إلى المفاوضات؟ ولماذا الإشراف الأممي؟ ولماذا لا تزال الصحراء الغربية مصنّفة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في لوائح الأمم المتحدة؟
الواقع أن المغرب يجد نفسه اليوم أمام مأزق سياسي وقانوني متصاعد، فمن جهة، فشل في انتزاع اعتراف أممي بسيادته على الصحراء الغربية، ومن جهة أخرى، بات يواجه عودة متزايدة للحديث عن الحل الأصلي الذي حاول الهروب منه لعقود: الاستفتاء وتقرير المصير.
ولهذا شدّد عطاف على أن الجزائر تتطلع إلى حل “عادل ودائم ونهائي” يكفل حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق قرارات الأمم المتحدة، وهي عبارة تحمل في طياتها رسالة واضحة: لا سلام حقيقي دون احترام الشرعية الدولية، ولا استقرار دائم على أرض ما يزال شعبها ينتظر حقّه في الاختيار الحرّ.
المخزن يدرك جيدا أن جوهر الأزمة ليس في الدبلوماسية، بل في خوفه من صندوق الاقتراع، فكل الجهود التي بُذلت طوال العقود الماضية لم تكن لإيجاد حل سياسي بقدر ما كانت محاولة لتفادي لحظة الاحتكام إلى إرادة الشعب الصحراوي.
لكن التاريخ لا يُكتب بالدعاية الإلكترونية، ولا تُحسم قضايا التحرر الوطني عبر جيوش الذباب الرقمي.. هناك حقيقة واحدة بقيت ثابتة رغم كل محاولات التزييف: الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار، والشعب الصحراوي شعب معترف بحقه في تقرير المصير بموجب الشرعية الدولية.
واليوم، بينما يعود المسار التفاوضي إلى الواجهة، تبدو الرباط أمام سؤال لم تستطع الهروب منه منذ عقود: إذا كانت واثقة فعلا من “مغربيتها” المزعومة، فلماذا تخشى ترك الصحراويين يقررون مصيرهم بأنفسهم؟



