
شكّلت ألعاب البحر الأبيض المتوسط بوهران 2022، محطةً متجددةً لتكريس ثوابت حضارات المتوسط، في حدث رياضي هو الأبرز جهويًّا خلال صائفة خلت من البطولات الرياضية الكبرى، فكانت لبنةً مضافةً إلى نهج الجزائر الجديدة المتطلعة إلى دفع الطاقات الرياضية والثقافية، واحتضان الفعل الشباني المثمر، ومفازةً تأسيسيةً للاستثمار الإبداعي المنتج المشعّ المنفتح على أنماط واعدة تؤسس للقادم الأرحب.
وأحيت الدورة التاسعة عشرة الأمل لدى الجزائريين لاحتضان كبرى التظاهرات إثر نجاح الدولة في تنظيم مُحكم ولائق، بدءً باستقبال الوفود والبعثات الرياضية والإعلامية إلى افتتاح مُبهر شهدَ وقائعه قادةُ دول شقيقة وصديقة وشهدت عليه جماهير ضفتي المتوسط المتعطشة لمشاهدة حدث دولي يكرس ثقافة السلم وروح الأمل والترقية الشاملة وتثمين المبادرات الخلاّقة، خصوصًا وأنّ أبناء البحر الأبيض المتوسط بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثقافة راسية فاعلة متفاعلة، لا تكون مجرّد مرآة، بل تستلهم ذخائر التاريخ المتوسطي لتعمّق نواميس الإبداع وشذرات الابتكار حاضرًا ومستقبلاً.
كانت غاية الدولة الجزائرية من هذا الحدث المتوسطي جعله عرساً استثنائياً بكل المقاييس تتعدد فيه الألوان والأعلام والثقافات والرياضات، حتى تستعيد بلادنا بريقها وتتباهى بين الأمم كما كانت تفعل زمن الألعاب المتوسطية عام 1975، والألعاب الأفريقية عام 1978 ثم الألعاب العربية عام 2005 وغيرها من الأحداث المهمة التي تحتفظ بها ذاكرة الشعوب. وإذ كسبت بلادنا رهان تشريف التنظيم الجزائري لحدث رياضي هام خطف الأضواء عبر تغطية إعلامية واسعة النطاق، فقد كرّست أيضًا لنشاطات علمية وأيام دراسية غزيرة تنوعت بين إبراز البعد الحضاري للأمة وتاريخ وهران، وعلاقة المثل العليا الأولمبية بحقوق الإنسان، والعيش في سلام بين الأمم المتوسطية، وآثار التطور التكنولوجي والرقمنة على الرياضة، وتجسيد التعاون الحقيقي بين اللجنة المنظمة لألعاب البحر الأبيض المتوسط والمؤسسات الجامعية والبحثية؛ إضافة إلى التعاون الوثيق مع المؤسسات الإقتصادية الوطنية و الخاصة التي تحلت بالمواطنة والالتزام.
ولأول مرة، تشهد وهران وبالتعاون بين السلطات العمومية والجمعيات المحلية، إقامة فعاليات فنية وثقافية عديدة حوّلتها بحق إلى عاصمة للفنون بعد استضافتها مهرجان الراي وقبله مهرجان الأغنية الوهرانية، ثم أيام المسرح المتوسطي واللقاءات الأدبية والفنية ومعارض الكتاب والفنون التشكيلية والصناعات التقليدية والحرف.
إنّ كلّ ما تحقق وفي ظرف وجيزٍ، لم يكن ليتم بهذا الإتقان والاحترافية لولا الحرص الشديد للسيد رئيس الجمهورية وإراداته السياسية التي ما فتىء يُعبّر عنها في الاجتماعات الدورية لمجلس الوزراء ولقاءاته الصحفية وتعليماته الصارمة لتسريع وتيرة إنجاز المشاريع والمرافق الكبرى. وبذلك ستكون وهران أنموذجًا يُحتذى به ويُقاسُ عليه بشأن توظيف هذه المكتسبات والمنجزات في دعم بنتيها التحتية وموقعها الاستراتيجي وتنمية قدراتها السياحية، لتنخرط بذلك وبكلّ اعتزازٍ في الاستراتيجية الوطنية وهي بناء اقتصاد قوي يعتمد على خلق الثروة والتحرر من التبعية النفطية.
وما صنعناه معًا خلال هذه التظاهرة وما تفرّع عنها، يعكس رؤية شاملة ومتبصّرة تمتزج فيها الثقافات والرياضات المتوسطية لتشكّل زخمًا متنوعًا ومتعدّدًا هنا وهنالك، يعيد كتابة التاريخ ويرسم المستقبل عبر محطّات حاسمةٍ في سماء الجزائر المتشامخة، والتي ظلّت على مدار قرون أقوى دول المتوسط حُكمًا وثقافةً وحضارةً واقتصادًا.
كل ذلك قد لا تحسن الكلمات تصويره فتنفذ دون تأطيره، وتفرُّ العبارات الملائمة للتعبير عن بهجتنا التي تتلاطم كما الأمواج، فلتُسعفنا الصورة أمام نجاح رهان الجزائر قيادةً وشعبًا في العودة إلى واجهة الأحداث الدولية.
الدكتورة نوال بن قفور
الأمينة العامة للجنة تنظيم ألعاب البحر الأبيض المتوسط
– الدورة التاسعة عشر-وهران2022-